ابن الأثير
259
الكامل في التاريخ
فإنّه خرج أيضا فلقيه رجل من بني حرقوص يدعى مرّي ، فأجاره وسيّره إلى الشام . وأمّا مروان بن الحكم فاستجار بمالك بن مسمع ، فأجاره ووفى له ، وحفظ له بنو مروان ذلك في خلافتهم وانتفع بهم وشرّفوه بذلك . وقيل : إن مروان نزل مع عائشة بدار عبد اللَّه بن خلف وصحبها إلى الحجاز ، فلمّا سارت إلى مكّة سار إلى المدينة . وأمّا عبد اللَّه بن الزبير فإنّه نزل بدار رجل من الأزد يدعى وزيرا ، فقال له : ائت أمّ المؤمنين فأعلمها بمكاني ولا يعلم محمد بن أبي بكر . فأتى عائشة فأخبرها ، فقالت : عليّ بمحمد . فقال لها : إنّه قد نهاني أن يعلم محمد . فلم تسمع قوله وأرسلت إلى محمد وقالت : اذهب مع هذا الرجل حتى تأتيني بابن أختك . فانطلق معه ، وخرج عبد اللَّه ومحمد حتى انتهيا إلى دار عائشة في دار عبد اللَّه بن خلف . ولما فرغ عليّ من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فرأى فيه ستمائة ألف وزيادة ، فقسمها على من شهد معه ، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة خمسمائة ، فقال لهم : إن أظفركم اللَّه بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم . فخاض في ذلك السبئية ، وطعنوا على عليّ من وراء وراء ، وطعنوا فيه أيضا حين نهاهم عن أخذ أموالهم ، فقالوا : ما [ له ] يحلّ لنا دماءهم ويحرّم علينا أموالهم ؟ فقال لهم عليّ : القوم أمثالكم ، من صفح عنّا فهو منّا ومن لجّ حتى يصاب فقتاله مني على الصدر والنحر . وقال القعقاع : ما رأيت شيئا أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفّين ، لقد رأيتنا ندافعهم بأسنّتنا ونتكئ على أزجّتنا وهم مثل ذلك ، حتى لو أن الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم . وقال عبد اللَّه بن سنان الكاهلي : لما كان يوم الجمل ترامينا بالنّبل حتى فنيت ، وتطاعنّا بالرماح حتى تكسرت وتشبكت في صدورنا وصدورهم حتى لو سيرت عليها الخيل لسارت . ثمّ قال عليّ : السيوف يا بني المهاجرين ! فما شبهت أصواتها إلّا بضرب القصّارين .